السيد كمال الحيدري
436
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
ولا ينبغي الإغفال عن الكلمات النفيسة للإمام السجَّاد عليه السلام يرويها أبو حمزة الثمالي : ( ما لي كُلَّما قلت قد صَلُحَت سريرتي ، وقرُبَ من مجالس التوابين مجلسي ، عرضت لي بليةٌ أزالت قدمي ، وحالت بيني وبين خدمتك سيّدي . . . ) « 1 » .
--> ( 1 ) مصباح المتهجّد ، للطوسي : ص 588 رقم : 67 . قال سيدنا الأُستاذ الحيدري مُعلِّقاً على مضمون هذا الدعاء وما يشبهه : يرى البعض أنَّ المقصود من هذه الأدعية هو تربية الأُمّة ، فالإمام مُنزَّه عن فساد السريرة مطلقاً نظراً لعصمته ، وهذا صحيح من حيث المبدأ ، إلا أنه لا ينبغي الإشكال من الأساس ، فهذه الأدعية لا تدلّ على أنَّ هنالك فساداً مُسبقاً ليقال ذلك ، وإنما مقام الشكر يقتضي هذه التعابير لِمن يتكلَّم في الحضرة الإلهية ، فإذا نظرنا إلى الكمالات المطلقة للحضرة الإلهية فإنه لا يبقى أحد إلا ويشعر بنقصه وقصوره ، فمهما علا وارتقى الإنسان - وإن كان كاملًا - فإنه يبقى مشمولًا لمقولة : أين التراب من ربِّ الأرباب ، وإدراك الفقرية المحضة والعبودية الخالصة والتبعية التامَّة كمالات لصاحبها ، ولكنها بالمقايسة للغنَى المطلق والربوبية المطلقة والمتبوعية المطلقة له سبحانه تكون نقصاً للمقابل ، والإمام السجَّاد عليه السلام يتعاطى جدّياً مع القصور الواقع من عدم إتمام رسوم العبادة والشكر ، وقد روي عنه عليه السلام : ( سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك ) . الصحيفة السجادية ، للإمام علي زين العابدين عليه السلام : ص 35 ، فإنَّ هذه العبادة المقصودة موقوفة على تمام معرفته . وقد قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله : ( ما عرفناك حقّ معرفتك ) . التوحيد ، الصدوق : ص 114 ، والمراد بها المعرفة بالكُنه لا المعرفة بوجه . وقد أشار صلى الله عليه وآله إلى هذه النكتة الدقيقة ، فقد رُوي عنه صلى الله عليه وآله قوله : ( لو عرفتم الله حقّ معرفته لزالت بدعائكم الجبال الراسيات ، ولا يبلغ أحدٌ كُنه معرفته ، فقيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ فقال : ولا أنا ، الله أعلى وأجلّ أن يطّلع أحدٌ على كُنه معرفته ) . الجامع الصغير ، للسيوطي : ج 2 ، ص 130 ، حرف اللام . فالاطّلاع على كُنه معرفته يعني صيرورة العارف معروفاً والقاصد مقصوداً ، وهذا مُحال عقلًا ، علماً بأنَّ علّة عدم معرفة كُنهه تعود لمحدودية القابل وإطلاقية الفاعل ، ولأجل ذلك كان أمير المؤمنين علي عليه السلام يقول في دعائه : ( يا هو ، يا من لا يعلم ما هو ولا كيف هو ولا أين هو ولا حيث هو إلّا هو ) . مصباح الكفعمي : ص 380 ، الفصل الثامن والعشرون دعاء المشلول . .